Yahoo!

مساهمة في النقد الأيديولوجي

كتبها حنظلة المغربي ، في 29 نوفمبر 2006 الساعة: 21:46 م

  

مساهمة في النقد الأيديولوجي

 


  محمد عابد الجابري
 

1 ـ إشكالية تفتقد أهم عناصرها

منذ أن أصدر الأستاذ عبد اللَّه العروي كتابه: ـ الأيديولوجيا العربية المعاصرة ـ وهو يوالي نشر مقالات وأبحاث، نقدية في الغالب، تتناول الفكر العربي الحديث والمعاصر. ومن خلال الأبحاث والدراسات التي جمعها في كتابه الذي صدر مؤخراً بعنوان ـ العرب والفكر التاريخي ـ، تتضح المعالم البارزة لما يمكن أن نطلق عليه اسم: «مشروع أيديولوجي للمثقفين العرب». لم يكتفِ الأستاذ العروي بتقديم هذا «المشروع» في مقالة واحدة، أو في كتاب واحد، بل إنه يجتهد في التبشير به باللغتين، الفرنسية والعربية، ويحرص على أن يبلغ صوته إلى المثقفين العرب، بكيفية خاصة، من خلال ما يكتبه في معظم المجلات العربية «اليسارية»، الصادرة في المشرق والمغرب، مما يدل على أنه مقتنع، كامل الإقتناع، بصواب مشروعه وأصالة دعوته. وبما أن ما تتضمنه هذه المقالات والأبحاث لا يخرج عن مضمون وإطار ما ورد في الكتاب المشار إليه ـ الذي نشرت معظم فصوله في كتاب صدر له أخيراً بالفرنسية بعنوان ـ أزمة المثقفين العرب ـ (باريس ـ ماسبيرو 1974) ـ فإننا سنقتصر هنا على الإحالة إلى هذا الكتاب نفسه: كتاب العرب والفكر التاريخي.

النهاية التي تشرح البداية:

كتابة الأستاذ العروي من الكتابات المكثفة، الملغومة، التي تستلزم من القارئ العادي، قراءتين على الأقل: قراءة فهم واستيعاب، وقراءة تفكير وتأمل. ومن أجل أن يتمكن الذين لم يقرأوا العروي بالمرة، أو قرأوه قراءة سريعة، من تتبع هذه المناقشة، رأينا من المفيد أن نعرض للمشروع الأيديولوجي الذي يقترحه الأستاذ العروي، على مرحلتين: نقتصر في المرحلة الأولى على عرض أفكاره عرضاً مصحوباً ببعض الملاحظات والتعليقات، لنعود بعد ذلك، في المرحلة الثانية، إلى إبداء رأينا، بكيفية مركزة، في هذا المشروع ككل.لقد دعا الأستاذ العروي بحرارة، إلى ضرورة النقد الأيديولوجي، فهو يؤكد أن «الواجب على مثقفي الدول المتخلفة تعميم النقد الأيديولوجي، كي لا ينحدروا إلى أسفل درجات الخلط» (ص 122 تعليق)… دعوة نصفق لها، ونلبيها… ولكن هل تمكّن الأخ العروي نفسه، في محاولاته النقدية، من نوع تجنب هذا الخلط؟ لنترك الجواب عن هذا السؤال الآن، ولندخل تواً في الموضوع، ولنبدأ مع كتاب العروي العرب والفكر التاريخي من نهايته، فالنهاية في كتابات العروي هي التي تفسر المقدمات وتحدد طريقة الاستدلال… وآخر ما كتبه العروي في مؤلفه المشار إليه هو المقدمة والخاتمة معاً.. أما الباقي فمقالات متفرقة، ترتبط، كثيراً أو قليلاً، بـ «التمهيد» و «الخلاصة».

إشكاليات العروي: ملاحظة أولية:

يطرح الأستاذ العروي، في السطور الأولى من كتابه (ص 7)، إشكاليته الفكرية بوضوح تام. يقول: «… بدأت أحس أن المشكل الأساسي الذي أحوم حوله منذ سنين هو الآتي: كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل (وبدون) أن يعيش مرحلة ليبرالية».لنلاحظ أولاً استعمال كملة «قبل» (والتشديد من عندنا) مطلقة، وتقييد كلمة (بدون) بقوسين. فهل معنى هذا أن الأخ العروي يشك في إمكانية انتقال الوطن العربي من وضعه الراهن (وضع غير رأسمالي، غير ليبرالي)، إلى وضع اشتراكي، دون المرور بالمرحلة الرأسمالية، الليبرالية؟ الواقع أن الأخ العروي لا يطرح المسألة طرحاً قاعدياً، أي على مستوى قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بل يطرحها فوقياً فقط، أي على مستوى الفكر وحده، مستوى «المكتسبات» الفكرية الليبرالية. وتلك مسألة سنعود إليها في ما بعد.

عنصر أساسي يهمل إهمالاً:

ولنلاحظ ثانياً أن الأخ العروي ينسى ـ عندما يؤكد أن هذه المشكلة «معروفة في التأليف التاريخي الماركسي، رافقت هذا التأليف منذ بدايته» «التجربة الألمانية ـ لوكاتش التجربة الروسية ـ تروتسكي… إن طبيعة هذه الإشكالية، إطارها، عناصرها، محدداتها، المعطيات الموضوعية التي انبثقت منها;… ينسى أن ذلك كله يختلف من تجربة لأخرى، وأن هذا الاختلاف يتعمق ويتسع، عندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين التجربة الألمانية والروسية من جهة، والتجربة العربية من جهة أخرى.

إن الأخ العروي، عندما يربط إشكالية مثقف العالم الثالث ووعيه بالتأخر، بإشكالية المثقف الألماني ووعيه بالتأخر ـ زمن ماركس وقبله ـ ينسى كلياً الفرق بين الوضعيتين: وضعية ألمانياً آنذاك، التي لم تتعرض للاستغلال الاستعماري، ووضعية العالم الثالث الذي عانى ويعاني من الاستعمار والامبريالية. إن عامل الاستعمار غير حاضر تماماً في فكر العروي، على الرغم من كونه عنصراً أساسياً من عناصر إشكالية مثقف العالم الثالث، والمثقف العربي بالذات.إن العروي، في تحليله للفكر العربي والتجربة العربية، يغفل بكل إصرار هذا العنصر، وبالتالي يتجاهل تماماً المسائل المرتبطة به المتفرغة عنه (مشكلة الوحدة والتجزئة مثلاً، الفكر السلفي نفسه… مشكلة فلسطين.. إلخ)، الشيء الذي انعكس بقوة على آرائه ونتائج تحليلاته، وبالتالي جعل تفكيره مهزوزاً، مقطوع الصلة ـ أو يكاد ـ بالواقع العربي الراهن… إنها أيضاً مسألة أخرى مهمة سنعود إليها في ما بعد.

مقارنة غير مشروعة ومنطق خاطئ:

ولنلاحظ ثالثاً ـ وفي الإطار نفسه ـ أن الأستاذ العروي عندما يؤكد «أن المحيط الثقافي والاجتماعي والسياسي يلون ماركسية العرب.. بصبغة العداء لكل اتجاه ليبرالي: ضد الرأسمالية في الاقتصاد، ضد الديموقراطية التمثيلية في السياسة، ضد النفعية في الفلسفة، ضد المادية في العلاقات اليومية، ضد (النثر) في التعبير» (ص 8)، إن الأستاذ العروي عندما يؤكد ذلك، يقفز نفس القفزة السابقة إلى الغرب: فيلاحظ أن هذا الاتجاه «ليس بفريد، بل عادي لدى مؤرخي التطور الفكري» ـ الغربي طبعاً ـ ثم يستشهد بردود الفعل التي حدثت في روسيا وإسبانيا وإيطاليا والبلقان عند بداية انتشار الماركسية فيها. والمقارنة هنا أيضاً تستند إلى عموميات.. مجرد عموميات، يقول: «القاسم المشترك بين المجتمعات المذكورة هو تأخر اقتصادي واجتماعي وفكري» (ص 9). أما خصوصية هذا «التأخر» أما أسبابه وعوامله هنا وهناك.. فهذا ما يسكت عنه تماماً.

وأكثر من ذلك يؤكد العروي أن قياس «حالة عرب اليوم على حالة شعوب أخرى في بداية عهدها بالإصلاح والتطور» عمل مشروع، بل ضروري. لماذا؟ فقط لأن رفض هذه المقايسة لا يستند ـ حسب رأيه ـ إلى «أدنى برهان عقلي».وما دام الأستاذ العروي يطرح المسألة على مستوى «البرهان العقلي» فليسمح لنا بهذا السؤال: هل يكفي لإثبات قضية ما، «العجز» عن البرهنة على عسكها؟ لنترك الجواب للمناطقة، المناطقة الوضعيين ـ الليبراليين أنفسهم! ولنكتفِ بهذا المثال الذي نستوحيه من أمثلتهم المبسطة: إن من يرى ذلك، هو تماماً، كمن يقول: بما أنك تشبه فلاناً، وبما أن فلاناً هذا قد مات في حادثة سيارة، وبما أني عاجز عن البرهنة على وجود اختلاف بينك وبينه، فإني أستنتج بـ «الضرورة» أنك ستموت أيضاً في حادثة سيارة.على أن المسألة هنا، ليست مسألة برهان «عقلي» صرف، بل إنها مسألة واقع مشخص، حي.. مسألة صراع.. لا بدّ من الربط بين الفكر والواقع إذا أردنا أن يكون تفكيرنا صحيحاً.. إذا أردنا أن نستقطب حول مشروعنا الأشياع والأتباع.

يقول غرامشي، المفكر الماركسي المعروف.. ومؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي.. (ويصرح العروي بأنه يستوحي غرامشي في جل آرائه.. وسيتبين لنا في ما بعد طبيعة هذا الاستيحاء ومداه)، يقول غرامشي، بصدد المقارنة بين الفكر الألماني الكلاسيكي والفكر السياسي الثوري الفرنسي: «إذا تشابهت بنيتان في الأساس (أي في الأساس المادي الاقتصادي) نجم عنهما بنيتان فوقيتان «متعادلتان» بحيث يمكن أن تترجم كل منهما إلى الأخرى أياً كانت اللغة القومية الخاصة».. وعندما يلاحظ العروي بعض التشابه (تشابه مظهري فقط، سطحي فقط، بين البنية الفوقية الألمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبين البنية الفوقية السائدة الآن في العالم العربي، يسارع إلى ترجمة هذه إلى تلك، ناسياً الاختلاف الكبير بين الأسس التي تقوم عليها كلا البنيتين.وبتعبير غرامشي نفسه، فإن ما يفعله العروي هنا، هو مقارنة ومقابلة كيفية معينة، بكيفية معينة أخرى، أي فكر بفكر.. مع إغفال أن للكيفية الأولى كماً خاصاً (اقتصاد خاص)، وأن للكيفية الثانية كماً خاصاً أيضاً (اقتصاد ومعطيات اجتماعية خاصة). هنا يكمن، في نظرنا، خطأ العروي.. خطأه الكبير!

دعوى صيحة مظهرياً… باطلة جوهرياً:

نعم إن الأستاذ العروي يدخل في فقرة لاحقة، الاستعمار في حسابه، ولكن بشكل جزئي هامشي يقول: «إن نقد التراث الليبرالي باعتباره مواكباً وحليفاً ومبرراً للاستعمار يقوي جانب التقليد، أي كل ما هو عتيق ميت ومميت في ذهننا وسلوكنا ومجتمعنا» (ص 10).دعوى صحيحة.. ولكن مظهرياً فقط.. جزئياً فقط.. إنها دعوى باطلة زائفة إن انتبهنا إلى مضمونها، إلى الإشكال المزيف الذي تطرحه.

وهنا لا بد من شيء من التفصيل:

1 ـ إن طرح الأستاذ العروي للمشكل هنا، طرح خاطئ، فالمسألة عنده تتلخص في ما يلي: إما أن نقبل التراث الليبرالي ونستوعبه، وسيكون ذلك طريقنا إلى التقدم، وإما أن ننقده (بمعنى نرفضه) وسيكون ذلك تقوية «لكل ما هو عتيق ميت ومميت في ذهننا وسلوكنا ومجتمعنا»… إن طرح المسألة بهذا الشكل طرح غير منهجي، غير علمي، غير ماركسي. نقد التراث الليبرالي لا يعني رفضه كله (حتى زعماء السلفية عندنا لم يرفضوه كله).. إن في كل تراث، قديم أو حديث، جانباً إنسانياً، تقدمياً.. وتراثنا نفسه ليس سلبياً كله. وإذا كان هناك فعلاً في أذهاننا وسلوكنا ومجتمعنا ما هو «عتيق وميت ومميت» فذلك، ليس بسبب نقدنا للتراث الليبرالي، فلقد كان موجوداً بشكل أقوى وأعمق تأثيراً قبل «نقدنا» للتراث الليبرالي نفسه. إن هناك معطيات موضوعية، هناك «واقع قديم» ما زال قائماً.. هو مصدر هذا «العتيق الميت المميت»، هو حامله والمحافظ عليهالمسألة الأساسية، إذن، هي كيف نغير هذا الواقع.. لا أن نسكت عنه، مكتفين بمحاربة «انعكاسه الأيديولوجي»، لا أن نستنجد بالفكر الليبرالي وحده، لكونه هو الفكر الذي صارع، في أوروبا، الفكر السابق له، الفكر الإقطاعي. إن ما صلح هناك لا يصلح هنا.. وإلا كان صحيحاً أنه «لا يصلح أمر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها». كلا هناك في الحالتين معاً، معطيات موضوعية حسية مختلفة جداً.

التبعية الثقافية طريق الخلاص:

2 ـ عندما يُطالب الأستاذ العروي بـ «اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا» يقبل بحرارة مماثلة، أن تكون «ثقافتنا المعاصرة تابعة لثقافة الغير» لأن في ذلك هو «طريق الخلاص». (ص 205).هل يقبل الأخ العروي، بوعي، «التبعية الثقافية»؟ أليس وعيه هنا وعياً مسلوباً..؟ هل يعتقد أن التبعية الثقافية للغرب الاستعماري الإمبريالي الليبرالي، تبعية مستقلة، معزولة، نزيهة؟ هل يخفى عليه أن التبعية الثقافية للغرب.. والقائمة الآن في المغرب، وفي كثير من بلدان العالم الثالث، ما هي إلاّ انعكاس وتكريس للتبعية الاقتصادية السياسية؟ هل يخفى عليه أن التبعية الثقافية، هي اليوم، منفذ من منافذ التبعية الاقتصادية، السياسية؟ ثم هل يعتقد أن بالإمكان «اجتثاث الفكر السلفي من مجتمعنا» بمجرد الهجوم عليه بسلاح الفكر الليبرالي؟ ألا يعمل هذا السلاح نفسه على إيقاظ النائمين الذين لم يستسلموا للنوم بعد..! ثم قبل ذلك، وبعده، ألا يتطلب هذا «الاجتثاث» تغيير «المحيط» نفسه..؟نعم، نحن لا نقول بضرورة أسبقية الثورة الاجتماعية الاقتصادية السياسية، على الثورة الثقافية.. ولكن هل يمكن القيام بثورة ثقافية بواسطة «التبعية الثقافية للغير»؟

الليبرالية… والاستعمار:

3 ـ وفي الإطار نفسه كذلك يؤكد العروي (ص 11 وما بعدها) أن المثقف العربي كما يرفض الليبرالية بدافع العداء للاستعمار، يرفضها أيضاً بتأثير الوضع الثقافي الغربي، دون أن ينتبه إلى الفرق بين وضعه ووضع المثقف الغربيوهذا صحيح أيضاً.. ولكن جزئياً فقط.. مظهرياً فقط!ذلك، لأن المثقف العربي لا يرفض الليبرالية، فقط بدافع العداء للاستعمار، بل لأنها مرتبطة حالياً بالاستعمار والإمبريالية ارتباطاً عضوياً. الفكر الليبرالي الغربي حالياً، لا ينفصل عن الإمبريالية تلك.. هذه حقيقة يعرفها الأستاذ العروي. نعم إن الأخ العروي لا يطالب بتبني الفكر الليبرالي الحالي، بل يقصد: «النظام الفكري المتكامل الذي تكوَّن في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي حاربت به الطبقة البورجوازية الأوروبية الفتية الأفكار والأنظمة الإقطاعية» (ص 11) هذا المذهب الذي «تنكرت» له أوروبا حيث «اتخذت… منذ أواسط القرن التاسع عشر إتجاهاً معاكساً لروح المذهب الليبرالي بكيفية، إما سافرة، وإما مقنعة»، و «لكن هذا لا يعني أن أوروبا نبذت نهائياً الليبرالية، بل طبقتها، وفي التطبيق ضيقت من أفقها وأفقدتها الطابع النقدي التعميمي».لماذا؟لماذا لم تستطع الأيديولوجيا البورجوازية تحقيق ما رسمته لنفسها من مثل وأفكار، إنسانية، تقدمية، تحررية..؟ هل فقط «لأن التوسع الاستعماري كان له دور مهم في القضاء على القيم التحررية»، كما يقول الأستاذ العروي؟ (ص 11). ولماذا هذا التوسع الاستعماري نفسه؟ أليس خارجاً من صلب وطبيعة النظام الرأسمالي، وبالتالي، أليس هو أحد نتائج الأيديولوجيا البورجوازية نفسها؟ وأيضاً، هذه القيم التحررية في الأيديولوجيا البورجوازية، ألم تتطور.. ألم تشكل النقيض لهذه الأيديولوجيا نفسها؟ أليست الماركسية، امتداداً وتجاوزاً ديالكتيكياً، للعناصر التقدمية والثورية في التراث الليبرالي، أليست هي ورشه الحقيقية؟

الليبرالية لم تنحرف… بل إنساقت مع تطورها الذاتي الداخلي:

4 ـ إن التمييز بين ليبرالية القرنين السابع عشر والثامن عشر، وليبرالية القرنين التاسع عشر والعشرين، تمييز مشروع تماماً.. ولكن الذي لا نوافق عليه الأستاذ العروي هو تقديم الثانية، وكأنها انحراف عن الأولى أو ابتعاد عنها.. إن المسألة لا تتلخص كما يقول الأستاذ العروي (ص 11) «في ابتعاد أوروبا تنظيمياً عن لب المذهب الليبرالي الأصلي، وفكرياً في ثورة ضد أصول المذهب ذاته»! إن أوروبا لم تبتعد تنظيمياً وفكرياً عن «لب المذهب الليبرالي وأصوله»، وإنما سارت وانقادت مع تطور هذا «اللب الأصلي»  نفسه.

وبعبارة أوضح، ولكي نخرج من المجردات التي يحرص العروي على التحرك في إطارها، نقول إن المسألة هي، كما طرحها لينين بوضوح، مسألة تطور الرأسمالية إلى الاستعمار. يقول لينين: «لقد نشأ الاستعمار باعتباره تطوراً واستمراراً مباشراً لما فطرت عليه الرأسمالية، بوجه عام من خصائص أساسية. ولكن الرأسمالية (أي ما يسميه العروي بالليبرالية الأصلية) لم تصبح استعماراً رأسمالياً (أي ما يسميه العروي ليبرالية القرن التاسع عشر) إلا عندما بلغت في تطورها درجة معينة، عالية جداً، عندما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص خصائص الرأسمالية، عندما تكونت وظهرت في جميع الاتجاهات، سمات مرحلة انتقالية، من الرأسمالية إلى نظام اقتصادي اجتماعي أعلى» (لينين، الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية. ص 118 موسكو، دار الطبع والنشر باللغات الأجنبية، الطبعة العربية).

وإذن، فإن تبرئة الليبرالية «الأصلية»، وتنزيهها عن نتائج تطورها الذاتي الداخلي، عمل لامشروع، غير ديالكتيكي.. هو قطع تعسفي لسلسلة التطور، لا يبرره المنطق ولا الواقع التاريخي. ومن ثمة فلا مجال للقول: «إن الاتجاهات المعادية للتراث الليبرالي (ويقصد العروي هنا الاتجاهات الفكرية التي ظهرت في الغرب، والتي كونت «ليبرالية القرن التاسع عشر») تنتقد الماركسية أو تتجاهلها أو تدعي تجاوزها» (ص 13)، لأن هذه الاتجاهات ليست معادية لليبرالية، بل هي شكل جديد من أشكالها، ونتاج لتطورها، ليس هناك جزء من الليبرالية يقبل الماركسية وجزء آخر يرفضها، بل إن الماركسية هي تجاوز (جدلي) للفكر الليبرالي بمختلف أشكاله، بمختلف مراحل تطوره.هذا هو الوضع الصحيح للمسألة. جعل التاريخ بين قوسين… ولوج المستقبل بالرجوع إلى «الماضي»:صحيح أن الاتجاهات الليبرالية الحديثة هذه، وكما يقول العروي: «تجعل التاريخ والتطور التاريخي بين قوسين، وتهدف إلى ولوج باب المستقبل بالرجوع إلى الماضي» (ص 13). ولكن صحيح أيضاً، أن هذا يصدق على الأخ العروي نفسه: هو يضع هذه الاتجاهات ـ الليبرالية الحديثة ـ بين قوسين، متغافلاً عن كونها جزءاً من التاريخ والتطور التاريخي في أوروبا. لماذا؟ ليتسنى له «ولوج باب المستقبل» العربي بـ «الرجوع إلى الماضي»، ماضي الغرب وبالذات إلى ليبرالية القرن 17 والقرن 18وهكذا يرى «بسهولة أسباب ضعف المثقف الماركسي العربي» فهو يستهزئ بالتراث الليبرالي.. في حين أنه لم يستوعبه بعد.. (ص 14)، والحال: «أن الماركسية بنيت على نقد الليبرالية باعتبارها تامّة ومتغلبة في الأفكار والأنظمة» (ص 15).

ومعنى ذلك أنه على المثقف العربي، لكي يصير «ماركسياً حقيقياً»، (في ما بعد)، أن لا ينقد التراث الليبرالي، بل عليه أن يستوعبه أولاً، ثم بعد أن يستوعبه يمكن أن يغدو «ماركسياً حقيقياً» فيصبح في إمكانه، ومن حقه، حينئذ فقط، انتقاد الليبرالية. هذا، والغريب في الأمر، أن الأستاذ العروي يورد في تعليق له، في إطار هذا الموضوع بالذات، فكرة ماركس المعروفة، وهي حجة عليه، لا له.. يقول العروي على لسان ماركس: «عندما تفتقد البورجوازية العصرية في مجتمع ما، أو تحجم عن القيام بالعمل المنتظر منها، يصبح العمل من مسؤولية الطبقة التي ستحل محل البورجوازية». هذا صحيح.. ولكن الأخ العروي يريد أن يستنتج من ذلك أن قيام الطبقة العاملة بما لم تقم به البورجوازية، إما لضعفها أو لغيابها، يستلزم أن تتبنى هذه الطبقة (الطبقة العاملة) الفكر البورجوازي حتى تتمكن من ذلك.. وهذا خطأ كل الخطأ. فالطبقة العاملة ـ في نظر ماركس ـ يجب أن تقوم بما لم تقم به البورجوازية انطلاقاً من منظورها الخاص، من أيديولوجيتها الخاصة، لا انطلاقاً من المنظور البورجوازي والأيديولوجيا الليبرالية.

*  *  *

وهكذا، فالنتيجة التي ينتهي إليها العروي، هي نفس المقدمة التي انطلق منها، وتلك لعبة يبني عليها العروي كتاباته، وسنحلل هذه اللعبة المنهجية في ما بعد. المهم بالنسبة إلينا الآن هو تسجيل أن الأستاذ العروي يطرح المسألة التي نحن بصددها على الشكل التالي:

ـ المثقف الغربي عندما يرفض الفكر الليبرالي يكون رفضه تجاوزاً لهذا الفكر لأنه عاشه ويعيشه، ومن ثمة يتجه رفضه إلى الأمام، لأن الفكر التقليدي ـ في أوروبا ـ قضى عليه، وقعت تصفيته من طرف الفكر الليبرالي نفسه.
ـ وأما في الوطن العربي حيث يعيش الفكر التقليدي قوياً متحدياً، وحيث لم تقم الليبرالية بمهمة القضاء عليه، فإن رفض المثقف العربي للفكر الليبرالي يؤدي (حتماً) إلى تقوية الفكر التقليدي.. ومن ثمة يتجه رفضه إلى الوراء. ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لن أمل من الترديد أغنية سعيد المغربي

كتبها حنظلة المغربي ، في 29 نوفمبر 2006 الساعة: 07:01 ص

lanamallaminaettardid.ram

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفعل الحزبي وسؤال الديمقراطية في المغرب

كتبها حنظلة المغربي ، في 29 نوفمبر 2006 الساعة: 06:48 ص

الفعل الحزبي وسؤال الديمقراطية في المغرب:
 قراءة في طبيعة النظام السياسي المغربي وجوهر الممارسة الحزبية

الدكتور يونس برادة
 

ملخص

 

 تنشد هذه الدراسة مقاربة منطلقات الممارسة لدى النخبة السياسية المغربية مجدسدة في الاحزاب السياسية استنادا الى طبيعة النظام السياسي وقواعده المعلنة والمضمرة المؤثرة على الفعل الحزبي في معناه ومبناه. فالارتباط بين الديمقراطية كمنظومة متكاملة الحلقات وجوهر الاداءالحزبي يعتبر جدليا وحتميا بقطع النظر عن اختلاف الارضيات وتباين الاطر المرجعية المحددة لطبيعة الفعل الحزبي خاصة وان الحزب السياسي كمنطلق يعبر عن هاجس الرغبة في بلورة تصور للمجتمع ولطبيعة التحرك في اطاره ضمن قناعات معينة تمثل في جوهرها أساس الوجود الحزبي ذاته.

 

مقدمة للتأصيل

 

بقطع النظر عن تباين أشكال الانظمة السياسية في الوطن العربي يبدو ان نقطة الالتقاء الاساسية تتمثل -ولو أن ذلك يتجلى بنسب متفاوتة وحسب سياقات سياسية وايديولوجية وتاريخية متضاربة -في سوءال الديمقراطية التي تعد ليس فقط نموذجا نظريا "براديغم" لضبط نطاق الفعل السياسي بل كذلك اطارا جامعا لفلسفة الحكم ومنطلقات التدبير.

وإذا كانت التنمية في البلدان العربية لاتزال مطلبا وغاية، فان ركنها الأساسي يتمثل في سندها السياسي والعقائدي المتمثل في اعمال الديمقراطية كأساس تنموي استراتيجي. وهو واقع ما انفك يراوح مكانه في الوطن العربي الذي لم يحسم أي من مكوناته بعد في الديمقراطية نهجا وتمثلا.

وغني عن البيان أن وجود الاحزاب السياسية يرتبط تاريخيا وواقعيا بالديمقراطية كفلسفة للحكم. وهو ما يطرح اشكالية الوجود الشكلي والوجود الفعلي الوازن في الدينامية السياسية.

من هذا المنطلق يعد الحديث عن الفعل الحزبي والديمقراطية أساسيا، خاصة على مستوى التأصيل النظري لفهم بعض ملامح الازمة التي تسم السلوك الحزبي العربي ومن خلاله جوهر النظام السياسي. فالعلاقة بين الاثنين مطبوعة بالجدلية والتفاعل الحتمي.

وفي هذا السياق، يعن موضوع الفعل الحزبي في المغرب كمثال شاخص عن مسألة الديمقراطية ليس فقط كإشكالية متصلة بتضارب التصورات وتباين التمثلات واختلاف أشكال التفعيل بل كذلك كصيرورة ممتدة تاريخيا ومؤسساتيا.

غير أن التساؤل عن الحزب السياسي في المغرب يظل بالاساس تساوءلا حول طبيعة النظام السياسي، اذ لا يمكن منهجيا تحليل مواطن الخلل في الفعل الحزبي أو مظاهر التعثر في الممارسة الديمقراطية داخل البناء الحزبي دون استقراء الاساس الاستراتيجي المهيكل لهذا السلوك متمثلا في جوهر السلطة السياسية. 

لقد كانت المرحلة الاستعمارية في المغرب -1912-1956- إطارا لبروز الأحزاب السياسية منذ 1934 تاريخ انبجاس أول تنظيم حزبي ممثلا في كتلة العمل الوطني التي كانت جسرا موطئا لترادف عدد من المكونات الحزبية في المنطقتين السلطانية الواقعة تحت النفوذ الفرنسي(1) والخليفية الخاضعة للاستعمار الاسباني(2) في صيرورة اكتست طابع رد الفعل على الحماية(3) الفرنسية والأسبانية ارتكازا على استراتجية المواجهة وفق أساليب تمايزت حسب هوية الواقفين وراءها ومرجعياتهم ومنطلقاتهم السياسية مرحليا و استرانيجيا.(4)

وإذا كانت وضعية الاستعمار قد طرحت نفسها كمحدد موضوعي في تفاعل المكونات الحزبية مع الواقع المفروض، فان مرحلة الاستقلال فرضت رهانات جديدة على مستوى البناء السياسي للبلاد خاصة على الصعيد المؤسساتي محاولة إعطاء أبعاد استراتيجية للعهد الجديد من خلال طرح إشكالية القطيعة على مستوى طبيعة النظام السياسي المغربي.

وكانت سنوات الاستقلال في هذا المنحى تجسيدا لتجاذبات مضمون المرتكزات السياسية المراهن عليها إذ ظهر الاختلاف جليا حول منطلقات تأسيس مغرب ما بعد الحماية سواء داخل مكونات أحزاب الحركة الوطنية وفي طليعتها حزب الاستقلال أو بين هذه الأحزاب والمؤسسة الملكية التي راهنت على استثمار شرعيتها لما قبل الحماية وشرعيتها السياسية في عهد الحماية للتموقع كفاعل مركزي ومتحكم في السلطة السياسية ما بعد الحماية.

فالاختلاف حول مضمون السلطة السياسية وصيغ الوصول الى ممارسة تكتسي بعدا ديمقراطيا والتباين حول الاختيارات الاستراتيجية في مغرب الاستقلال ظلت عقبات متواترة في تحقيق التوافق السياسي حول المنطلقات والاهداف ومن خلالها الوسائل والاليات، مما تولد عنه توتر مستمر بين مكونات الطبقة السياسية تبعا لمراحل تطورها وترتيبا على طبيعة تفاعلاتها.

وشكلت طبيعة السلطة السياسية في هذا الخضم محددا محوريا في تطور الحياة السياسية في المغرب، اذ لا يقابل تصورات المعارضة الحزبية -كما تشكلت تاريخيا وتفاعلت مؤسساتيا- لآليات تحقيق الديمقراطية أو على الاقل تسريع وتيرة الدمقرطة إلا تمثل الملكية لدورها المركزي في تحديد قواعد اللعبة السياسية وضبط المجال السياسي بشكل يجعل السلطة السياسية مغلقة في حقيقتها لاتصالها باليات لاضفاء الشرعية ترتكز على البنيات التقليدية للحكم في محدداتها التاريخية -التراثية والسياسية- الدينية والتي ترتهن بها اشكال التحديث السياسي في إطار مفهوم الملكية الدستورية الذي لايمكن استحضاره الا داخل النسق السياسي المغربي ووفق الضوابط التي حددت معالمها الموءسسة الملكية في سياق تعاملها مع المسألة الديمقراطية منذ الحصول

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مفهوم الاختلاف عند ابن تيمية أو فقه التكفير ونبذ التفكير

كتبها حنظلة المغربي ، في 1 ديسمبر 2006 الساعة: 05:37 ص

          مفهوم الاختلاف عند ابن تيمية أو فقه التكفير ونبذ التفكير

جريدة الأحداث المغربية -الاحد 26 فبراير 2006

تندرج هذه المحاولة في إطار السعي إلى ملامسة بعض من جوانب «الفكر الفقهي»، الذي عاق ويعوق باجتهاداته وآرائه المتطرفة، كل محاولات انخراط المسلمين في عصرهم، وتدشينهم لمرحلة جديدة من التقدم والتطور.

(…) اهتمامنا بابن تيمية في هذه اللحظة بالذات، له ما يبرره، على اعتبار ما أصبح يحظى به فكر هذا الفقيه من اهتمام متزايد وانتشار واسع، ولكونه أصبح يمثل المرجعية الفكرية والقيمية للجماعات الإسلامية، بما فيها تلك التي تصنف نفسها ضمن الجناح المعتدل (1)، خصوصا إذا ما نحن علمنا أن كل دعوات الشيخ تحرض على الكراهية والعنصرية واللاتسامح والقتل والسلب.. والخطير في الأمر أن كل تلك الدعوات مشرعنة دينيا من قبل فقيهنا. إن دعوة ابن تيمية، صريحة وواضحة، إنها دعوة الى إلغاء العقل كلية من حياتنا، ونبذ التفكير والتحليل لقياس المصلحة من المفسدة، إلا ما كان منه يوافق النقل في حرفيته، دونما اهتمام بملابسات وظروف وحيثيات النص عند قوله. يقول في هذا الإطار: «إن الأدلة العقلية الصحيحة البينة التي لا ريب فيها، بل العلوم الفطرية الضرورية توافق ما أخبرت به الرسل لا تخالفه، وأن الأدلة العقلية الصحيحة جميعها موافقة للسمع، لا تخالف شيئا من السمع.. وهذا يعلم به أن المعقول الصريح ليس مخالفا لأخبار الأنبياء على وجه التفضيل.. وأن من خالف الأنبياء، فليس لهم عقل ولا سمع». (2) إنها إذن دعوة إلى التقليد والجمود والاتباع، والالتزام بالنص الديني بحرفيته دونما الحاجة إلى النظر إلى روحه ومضامينه، وإلى متغيرات العصر ومستجداته. إن ابن تيمية يرسم للعقل حدودا لاشتغاله، ويحدد له وظائفه، ويرسم له الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها، فدوره يقتصر على تزكية النقل وموافقته، والدفاع عنه، بل إن أمكن الاستغناء عنه حتى في هذه الوظائف والمهام كان أحسن إذ يقول «وإن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال إنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق. ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه مالم يبينه لهم ويدلهم عليه بإمكان معرفة ذلك بعقولهم»(3)، فمادام السلف الصالح قد قام نيابة عنا بكل شيء، وحدد لنا المنهاج الذي وجب علينا سلكه، أصبح دورنا مقتصرا على الاتباع والتقليد، دونما الحاجة إلى إعمال العقل، فليس بالإمكان أحسن مما كان، إذ والحالة هذه، كل ما قام به السلف وفي جميع مناحي الحياة وجب علينا اتباعه وتقليده، لأن في ذلك مصلحة لنا، بل إنه يؤكد بكثير من الحسم، أنه حتى وإن لم يكن في اتباعنا لهم مصلحة ظاهرة، فنحن مع ذلك ملزمون باتباعهم لأن ذلك يقربنا منهم ويقوي من محبتنا لهم إذ يقول «ولهذا نحن نتنفع بنفس متابعتنا لرسول الله (ص) والسابقين من المهاجرين والأنصار، في أعمال لولا أنهم فعلوها لربما قد لا يكون لنا فيها مصلحة، لما يورث ذلك من محبتهم، وائتلاف قلوبنا بقلوبهم، وإن كان يدعونا إلى موافقتهم في أمور أخرى إلى غير ذلك من الفوائد» (4) وغني عن البيان، أن كلاما كهذا لا يستقيم مع العقل والمنطق، من جهة، لأن المدة الفاصلة بين عصر السلف والفترة التي عاشها ابن تيمية تتحدد في قرون طويلة (توفي سنة 728ه)، وبالتالي فإن ما قام به السلف لا يستقيم بالضرورة مع متطلبات عصر تفصله عنه مئات السنين. ومن جهة أخرى: فليس كل ما كان يفعله السلف كان بالضرورة صالحا. ولا يستثني ابن تيمية، مجالا من المجالات من هذا التقليد، سواء تعلق الأمر باللباس أو المأكل أو أسلوب الحياة عموما لذلك لا غرابة أن يضحى «الإسلام الحقيقي» عند الكثير من المتشبعين بأفكار فقيهنا من المعاصرين، هو رفض كل مظاهر الحياة العصرية، وكل ما لم يكن يتوفر لدى السلف الصالح، بغض النظر عن المنافع التي يمكن أن يجلبها لنا، خصوصا إذا ما نحن علمنا أن كل انتاجات العصر تقريبا (بما فيها اللباس الذي يرتدونه ويعتبرونه مطابقا للباس السلف) هي من ابتكار وصنع أقوام لا يدينون بدين الإسلام، أي أنهم «كفار» حسب تصنيف ابن تيمية، وهو الذي دعا إلى مخالفتهم في كل أمور معاشهم بما فيها الجزئيات إذ يقول في هذا الصدد: «كذلك قد نتضرر بموافقتنا الكافرين في أعمال، لولا أنهم يفعلونها لم نتضرر بفعلها.. فتكون موافقتهم دليلا على المفسدة ومخالفتهم دليلا على المصلحة»(5). فحسب «شيخ الإسلام» ابن تيمية، كل ما يقوم به «الكفار»، وجب على المسلم ألا يقلده ويتبعه، حتى وإن لم يكن في ذلك مضرة للمسلمين، بمعنى آخر: وجبت مخالفتهم حتى في الأعمال التي قد تكون لنا فيها مصلحة، فالأهم من المصلحة مخالفتهم، لأن مخالفتهم هي بالضرورة مصلحة، ثم إن فقيهنا يحسم هذا الأمر بكثير من الوثوقية معتبرا أن كل أعمال «الكفار» بدون استثناء، هي بالضرورة خالية من المصلحة، لذلك لاداعي لإعمال العقل والتفكير، لمحاولة قياس أعمالهم ومدى نفعها من ضررها، يقول: «وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكفار، وأموره لابد فيها من خلل يمنعها أن تتم له منفعة بها. ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام، لاستحق بذلك ثواب الآخرة. ولكن كل أموره إما فاسدة أو ناقصة»(6). لكن لماذا يصر ابن تيمية على تمييز «الكفار» عن المسلمين، ماداموا هم من يقلد المسلمين، ومادام المسلمون لن يصيبهم ضرر في ذلك بحكم أن الضرر كل الضرر يكمن بالنسبة له في تقليد المسلمين للكفار!!؟ إن الجواب على هذا التساؤل نستخلصه من خلال افتاء شيخنا على إحدى النوازل التي طرحت عليه، إذ يقول السائل: «ماذا تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة ألزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف، وذلك أن السلطان ألزمهم بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف عمائم، المسلمين، فحصل بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء، والرعاع، وآذوهم غاية الأذى وطمعوا بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم، فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول وإعادتهم إلى ما كانوا عليه، مع حصول التمييز بعلامة يعرفون بها؟ وهل ذلك مخالف للشرع أم لا؟» فكان جواب ابن تيمية أن قال: «فجاءتني الفتوى فقلت لا يجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين. فذهبوا ثم غيروا الفتي، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة وإن خرجت في عدة قوالب» (7) إن إصرار واضعي السؤال على إعادة طرحه عدة مرات، وبقوالب متعددة ومتباينة ينم عن إحساسهم بعدم معقولية فتوى شيخنا، وعدم اقتناعهم بما جاء فيها من عدم جواز إرجاع هؤلاء القوم إلى زيهم الأصلي على الرغم من الضرر والأذى اللذين لحقا بهم جراء ذلك، كما أن إصرار ابن تيمية على نفس الجواب ينم عن مذهبه في التطرف والمغالاة في الدين، فليس المهم عنده أن يتعرض أهل الذمة إلى المضايقات والضرر والأذى من طرف المسلمين، وأن يضحى الإسلام بذلك دينا يحث على العنصرية واللاتسامح الديني، بل المهم لديه أن يتميزوا عن المسلمين فقط. لكن لماذا؟ الجواب على هذا السؤال نفهمه من خلال مقولته التالية: «أما ما يرويه بعض العامة عن النبي (ص) أنه قال «من أذى ذميا فقد أذاني» فهو كذب على رسول الله (ص) ولم يروه أحد من أهل العلم»(8). فما دام النبي لم يقل بهذا الكلام، فإنه يصبح مشروعا من الناحية الدينية أن يتعرض هؤلاء لكل أنواع الأذى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصيدة مسموعة ( الاستجواب ) نزار قباني

كتبها حنظلة المغربي ، في 1 ديسمبر 2006 الساعة: 05:32 ص

estejwab.ram

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في ثقافة تدبير الاختلاف

كتبها حنظلة المغربي ، في 30 نوفمبر 2006 الساعة: 21:08 م

في ثقافة تدبير الاختلاف

المسألة الجهوية وقضايا التنظيم والديمقراطية والتنمية في العالم الثالث

المغرب نموذجا

 مصطفى محسن

 

… إلا أنه بالرغم من هذه الأهمية الشارطة للعنصر البشري كأثمن رأسمال منتج في كل استثمار اجتماعي تنموي، فإن المسؤولية الفكرية والاجتماعية لنقد ذاتي مسؤول وبناء تقتضي الاعتراف بواقع كون مشاريع وخطط وتوجهات التنمية في مجتمعاتنا، قطريا وقوميا، قد كان من بين أخطائها القاتلة تهميشها أو تغييبها لدور ومكانة وقيمة الرأسمال البشري في عمليات التنمية الشاملة، فظلت بذلك، في مجملها، مشاريع متخبطة، معاقة، معطلة، وغارقة في بؤس الدوران المتكرر في الحلقات المفرغة.

تمهيد: نحو منظور سوسيولوجي نقدي لمقاربة "المسألة الجهوية"

تبرز الأبحاث السوسيولوجية والأنثروبولوجية والتاريخية وغيرها من البحوث الاجتماعية أن مسألة تدبير الشأن العام في كل مجتمع هي مسألة سوسيوثقافية بالأساس –كما سنبين ذلك لاحقا- أي أنها وثيقة الارتباط بمنظومة القيم والرموز والأعراف والعادات والتقاليد والقوانين وبنسق العلاقات والأفعال والتبادلات المادية والرمزية السائدة في مجتمع محدد في الزمان والفضاء، أي بمضمون ودلالات الثقافة: culture المتبناة فيه، وذلك بالمعنى السوسيوأنثروبولوجي العام لهذا المفهوم: (الثقافة).

ويستفاد من معطيات التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي… لمجتمعاتنا الثالثية والعربية أنها قد عرفت أشكالا متعددة من التنظيم والهيكلة والتوجيه لمسألة تدبير دواليبها الاجتماعية المختلفة. كما أن هذه الأشكال قد كانت –ولا تزال ضمن حدود معينة- متباينة من حيث نمط ومستوى التنظيم والفعالية والمشاركة وضبط علاقات المجتمع بالهياكل الاجتماعية والسياسية المسيرة والمتحكمة في السلطة وفي توجيه وتدبير الشأن العام. ويرجع هذا التباين –كما أسلفنا- إلى ارتباط هذه الأنماط من التنظيم بالمنظومات الثقافية، وبالهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة في المجتمع المعني المحدد في الزمان والمكان، أي بثقافته الموجهة لأساليب تدبيره لاختلافه وتعدده.

وهكذا فإذا أخذنا نموذج المغرب كبلد عربي ثالثي أمكننا القول –على سبيل الإشارة والتمثيل لا الحصر- إن مفهوم "الجماعة: Commune/Collectivité"، ومفهوم "القبيلة: Tribu"، ومفهوم "المخزن: Makhzen" تعتبر من بين أبرز المفاهيم المفتاحية الأساسية لتحليل وفهم طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي في المجتمع المغربي الحديث والمعاصر، وخاصة فيما قبل وأثناء المرحلة الكولونيالية، بل وبعدها أيضا. فلقد كانت هذه الأطر والهياكل الاجتماعية التنظيمية، ولا سيما في فترة ما قبل الظاهرة الاستعمارية، أطرا فاعلة، منتجة، ومندمجة في محيطها السوسيوثقافي العام، متفاعلة ومتكاملة –ضمن شروط وحدود معينة- مع غيرها من المؤسسات والمكونات الاجتماعية المركزية الأخرى مثل: المسجد، والزاوية، والأسرة…الخ. غير أن التدخل الاستعماري قد عمل، كما هو معروف، على تحطيم العديد مما كانت تتوفر عليه مجتمعاتنا الثالثية من بنيات وهياكل اقتصادية واجتماعية وسياسية… "تقليدية"، فارضا عليها نماذج وبدائل غريبة عنها، ومحتفظا، من هذه الأطر والهياكل التقليدية المتآكلة، والمتواجدة خارج التاريخ في منظور الفكر الاستعماري، بما يخدم مصالحه ويتواءم مع غاياته وأهدافه الضمنية والمعلنة، ومبررا ذلك، في الوقت ذاته، بالدور التاريخي والحضاري والإنساني المزعوم للاستعمار والمتمثل في "رسالته التحضيرية والتحديثية" التي سوف ينجزها في مجتمعاتنا المتخلفة حين سيساهم، كما كان يدعي، في إخراجها مما هي عليه من تأخر تاريخي وعلمي وثقافي وتكنولوجي إلى دنيا التقدم والنماء والحداثة التي وصلتها المجتمعات الغربية المتقدمة.

إلا أن الدولة الحديثة التي قامت في مجتمعاتنا الثالثية والعربية والتي طرحت نفسها كبديل "وطني" وتاريخي وسياسي للاستعمار، مؤسسة وتوجهات فكرية وحضارية…، قد أبانت، خلال عقود من الاستقلال الشكلي لهذه المجتمعات، عن تخبطها، بل عن عجزها فيما يتعلق بتدبير تمايزات واختلافات ومشكلات هذا الوضع الهجين الذي تعيشه حاليا، وضع المراوحة البئيسة واليائسة بين "تقليد" فقد، بفعل عوامل وإكراهات الاستعمار والتبعية والتخارج والعولمة الشاملة حاليا، الكثير من سماته ومقوماته "الأصيلة"، وبين "حداثة أو تحديث" مزعومين مشوهين.

ويستخلص من الأدبيات التنموية والسياسية، وكذا من التجارب والنماذج والبرامج والاستراتيجيات وخطط التنمية الاجتماعية المعتمدة في بلدان العالم الثالث أن كل مجتمع قد حاول إدارة "تنميته أو مشكلات تخلفه" بشكل ظل مرتهنا، على العموم، بالشروط الخاصة، بثقافته، وطبيعة تركيبته الاجتماعية والسياسية، وإمكاناته المادية والبشرية، وأيضا بنمط علاقاته وتوجهاته سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. هذا مع العلم بأن القاسم المشترك الذي يظل حاضرا بين هذه المجتمعات هو اندراجها في إطار أوضاع التخلف والتهميش التي ترتبط بشروطها ومقوماتها الذاتية، كما ترتبط بالسياسات والسيناريوهات الدولية لتقسيم وتحديد أشكال النفوذ والهيمنة والمكانة على المستوى الكوني العام. ولنستحضر الآن شروط، وإكراهات، وتوجهات العولمة.

وإذا كنا لا نرمي من وراء هذا العرض إلى مقاربة كل القضايا والمفاهيم الآنفة المتعلقة بأوضاع مجتمعاتنا الثالثية: ماضيا، وحاضرا، وتوجهات مستقبلية، مما لا ينسجم مع محدودية هذه المساهمة وظرفيتها، فإننا سنركز هنا على محاولة مقاربة بعض مفاهيم ومكونات الخطاب التنموي المعاصر في مجتمعاتنا هذه، والذي تراهن أهدافه ومقترحاته على إخراج هذه المجتمعات مما عليه من تخلف شامل ومعقد إلى فضاءات التجديد، والتجدد، والتنمية، والحداثة، ونقصد بذلك مفهوم "الجهوية: Régionalisme" كسياسة تدبيرية وتشاركية وعقلانية وديمقراطية ولا مركزية لإدارة الشأن العام، وكذلك ما يرتبط بهذه السياسة مما نقترح تسميته بـ"المسألة الجهوية: Question Régionale/Régionaliste" ونعني بذلك ما تثيره مفاهيم ومكونات الجهة، والجهوية، والجماعات المحلية، والتنمية الجهوية… من قضايا وتساؤلات ومشكلات فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة الأبعاد والدلالات، وذلك على اعتبار "الجهوية" كسياسة وتوجهات، وكبناء تنظيمي، ليست بمثابة هيكلة مستقرة أو هامدة وإنما هي سيرورة ديناميكية من التنظيم والبناء وتفاعل المصالح والرهانات والتفاعلات… وطنيا وجهويا بل وحتى دوليا كذلك، ولذا فإن الجهوية تظل، بفعل هذه الدينامية الحية، متفاعلة مع شروطها التاريخية، وبالتالي تظل مسألة فرعية ضمن ما يعرف بـ"المسألة الاجتماعية:Question Sociale" في مدلولها السوسيولوجي الشمولي.

وتأسيسا على ما سبق، فإن مقاربة هذه "المسألة الجهوية"، بما هي مسألة متعددة الأبعاد والجوانب، تحتاج إلى تدخل اختصاصات ومنظورات متعددة ومتكاملة في الآن ذاته أيضا. ولعل المنظور السوسيولوجي –الذي سنستأنس به في هذه المساهمة لاعتبارات محض منهجية- نظرا لما يتسم به من شمولية وانفتاح في الرؤية والتحليل فإنه يبدو، من الناحية المنهجية، مناسبا للاقتراب من هذه المسألة المبحوثة. مع العلم بأن المنظورات والمقاربات الأخرى تظل، بالنسبة لهذا المقترب السوسيولوجي، متكاملة معه ومثرية له باستمرار. كما يفترض في هذا المقترب ذاته أن يشكل مدخلا أساسيا ومقدمة ضرورية –في تقديرنا- لمختلف المقاربات التي يمكن أن تتناول "الجهوية" تناولات تفصيلية مركزة على أبعادها السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو القانونية أو الإدارية… الخ. وتلك خاصية منهجية معروفة ومميزة للتحليل السوسيولوجي –ولا سيما في مستواه الماكروسوسيولوجي العام- إذ يسعى إلى أن يحقق تموضعا منهجيا دقيقا بتركيزه على نقطة تقاطع مختلف المقاربات التي تعتمدها العلوم الاجتماعية في معالجتها للأبعاد والجوانب المذكورة. مع التنبيه إلى أن هذه الإشكالية المنهجية تتميز بكونها ذات طابع جدالي منتج باستمرار للعديد من المشكلات والتساؤلات المعرفية، والطروحات النقدية العميقة. ولذا فنحن لا نتبنى بشأنها أي دوغمائية ساذجة أو مغرضة. كما أن شرطيات هذا العرض لا تسمح بمعالجتها لما يكفي من التفصيل والتوسع.

هكذا إذن، وانطلاقا من موجهات هذا التمهيد، ورغبة منا في إنجاز ملامسة مركزة لأهم جوانب المسألة المبحوثة، نقترح أن نمحور هذه المداخلة حول ما يلي:

+ المحور الأول: حول السياق السوسيوتاريخي والحضاري الغربي لتبلور مفهوم الجهوية وثقافة التدبير الديمقراطي للتعدد والاختلاف.

+ المحور الثاني: أهم الأهداف الاجتماعية والتنظيمية لسياسة "الجهوية".

+ المحور الثالث: حول أهم محددات السياق السوسيوتاريخي لسياسة "الجهوية" بالمغرب.

+ المحور الرابع: السياسات الجهوية بالمغرب: أبرز العوائق والمشكلات.

+ الحور الخامس: أزمة التجربة الجهوية بالمغرب: عن أهم شروط وبدائل التجاوز والتأسيس.

يتضح من المضامين المباشرة لهذه المحاور أنها يمكن أن تشكل مداخل هامة لطرح ومناقشة العديد من القضايا المرتبطة بـ"المسألة الجهوية". وبالتالي فإن كل محور منها يحتاج إلى دراسة، بل دراسات معمقة. غير أننا سنحاول هنا –للاعتبارات المنهجية الآنفة- أن نركز في مناقشة هذه المحاور على ما هو هام، دال، ومعبر.

المحور الأول: حول السياق السوسيوتاريخي والحضاري الغربي لتبلور مفهوم الجهوية وثقافة التدبير الديمقراطي للتعدد والاختلاف.

باستقرائنا للمعالم البارزة في هذا السياق الغربي نجد أن "الجهوية" كآلية تدبيرية لتعزيز لا مركزية صنع القرار وتصريف مقتضياته، ولدمقرطة تسيير وتنظيم وهيكلة اختلافات دواليب ومجالات ومكونات ومؤسسات المجتمع، هي –بهذا المعنى العام- مفهوم حديث التبلور، وإن كانت له سوابق تاريخية أصبحت، في مجتمع العقلنة والتنظيم والمأسسة، تقليدية متجاوزة. غير أننا، لكي ندرك دلالة هذا المفهوم في الخطاب التنموي المعاصر، يبدو من المفيد أن نؤطره تاريخيا لنتعرف على السياق الذي أفرزه، وأيضا على السياقات المغايرة التي نقل إليها ووظف فيها، ثم على أهم عوائق وعواقب هذا النقل أو التوظيف، وما يطرحه كل ذلك من تفكير في شروط وآفاق وبدائل التجاوز. وهكذا يمكن أن نذكر، فيما يخص السياق الغربي تحديدا، بالملاحظات الآتية:

+ لقد ظهر مفهوم الجهوية –بالمعنى السابق- في إطار المجتمعات الغربية وما عرفته، في تاريخها الحديث والمعاصر، من تحولات معرفية وسياسية وتكنولوجية واجتماعية وحضارية متعددة مست كافة المجالات والأصعدة. وقد كان من بين أهم ما أفرزته هذه التحولات تأسيس "دولة وطنية: Etat National" كانت بمثابة تتويج تاريخي للمشروع -أو المد- البورجوازي الذي قادته البورجوازية الغربية بكل فصائلها، والذي كان بمثابة البديل الاجتماعي والسياسي والفكري للنظام الإقطاعي المتداعي، بنيات وهياكل اجتماعية وأنساقا قيمية وعقائدية..

غير أنه، في بداية تشكل هذه الدولة الوطنية، كانت قد اهتمت بأن تكون سلطتها مركزية بالأساس. وذلك بحكم انشغالها الكبير ببلورة "مشروع مجتمعي: Projet sociétal" وفاقي، متكامل المكونات، واضح الأهداف والمقاصد والتوجهات الفكرية والسياسية. لذا فقد كان "البعد -أو الهم- المركزي" حاضرا في بداية تشكل هذه الدولة الوطنية في الغرب. وذلك دون أن يلغي هذا الواقع طابعها الديمقراطي المستنير. وللتدقيق، فإننا نتكلم هنا عن المجتمعات الغربية في مناخ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بشكل خاص.

ومع تسارع وتيرة التحول والتغير الاجتماعيين، وما كان لذلك من انعكاسات على كافة الأصعدة، برزت مجموعة من القضايا والمشكلات والحاجات.. الجديدة في الغرب طرحت الجهوية كاختيار تدبيري لتمايزات المجتمع، يهتم بجميع جهاته ومجالاته وقطاعاته الإنتاجية المتعددة. ولعل من أهم نتائج التحولات الآنفة، والتي كانت –بشكل أو بآخر- وراء تدعيم تبني سياسة "الجهوية"، "تقسيم العمل الاجتماعي: La division du travail social": ومعنى ذلك أن المجتمعات الحديثة، ونظرا لتعدد وتعقد مكوناتها: (مؤسسات، وبنيات، وعلاقات، وأنماطا معرفية وقيمية..الخ) قد أصبحت تتطلب ما يدعى بـ: "التخصص الوظيفي: Spécialisation Fonctionnelle" بحيث نجد أن كل فرد، وكل جماعة، أو جهة، أو قطاع، أو مؤسسة، أو مجال… يجب أن يكون له تخصص معين مضبوط ينتظر منه أن يشتغل في إطاره داخل حدود الأهداف والوظائف المرسومة له من طرف المجتمع العام. ويتوقع، في إطار الالتزام بمعايير ومقتضيات هذا التخصص، أن يصبح القطاع، أو الجهة، أو المؤسسة المعنية.. أكثر إيجابية ومردودية.

+ تطور مفاهيم الديمقراطية ومبادئ تكافئ الفرص الاجتماعية: Démocratie et égalité des chances، أفقيا: بين جهات ومناطق ومجالات المجتمع.. وعموديا: بين مختلف أفراده وطبقاته وشرائحه وفئاته المتعددة والمتباينة المصالح والمواقع والأدوار.. ويندرج مفهوم "الجهة" بكل دلالاته وحوامله ضمن هذا السياق العام لتطور الديمقراطية في المجتمعات الغربية. إن "الجهة"، كمكون أساسي للمجتمع، ستصبح في ظل هذه الشروط ممتلكة لحقها في ممارسة الاختلاف والتميز في حاجاتها وأولوياتها واهتماماتها، وفي نهج مختلف الأساليب الديمقراطية للتعبير عن مطالب وخصوصيات هذا الاختلاف والتميز، بل ولهيكلة وتدبير هذا الاختلاف أيضا، وفق ما تمليه عليها ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والبشرية الخاصة.

+ تبلور المفاهيم المرتبطة بالتنظيم العقلاني للمجتمع: "Organisation Rationnelle"، وذلك على اعتبار أن هذا التنظيم، كمفهوم جديد، يقوم على استراتيجية بناء تنظيم المؤسسات والمجالات الاجتماعية على أساس عقلاني رشيد، يرتكز، في سياسة إسناد المهام والوظائف والمسؤوليات –وسواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات أو الجهات- على الكفاءات والخبرات الفنية والاجتماعية لا على الهويات أو العلاقات القرابية والزبونية أو غيرها من الاعتبارات اللاعقلانية، التي ما تزال مهيمنة بشكل كبير في مجتمعاتنا الثالثية.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb