مساهمة في النقد الأيديولوجي
1 ـ إشكالية تفتقد أهم عناصرها
منذ أن أصدر الأستاذ عبد اللَّه العروي كتابه: ـ الأيديولوجيا العربية المعاصرة ـ وهو يوالي نشر مقالات وأبحاث، نقدية في الغالب، تتناول الفكر العربي الحديث والمعاصر. ومن خلال الأبحاث والدراسات التي جمعها في كتابه الذي صدر مؤخراً بعنوان ـ العرب والفكر التاريخي ـ، تتضح المعالم البارزة لما يمكن أن نطلق عليه اسم: «مشروع أيديولوجي للمثقفين العرب». لم يكتفِ الأستاذ العروي بتقديم هذا «المشروع» في مقالة واحدة، أو في كتاب واحد، بل إنه يجتهد في التبشير به باللغتين، الفرنسية والعربية، ويحرص على أن يبلغ صوته إلى المثقفين العرب، بكيفية خاصة، من خلال ما يكتبه في معظم المجلات العربية «اليسارية»، الصادرة في المشرق والمغرب، مما يدل على أنه مقتنع، كامل الإقتناع، بصواب مشروعه وأصالة دعوته. وبما أن ما تتضمنه هذه المقالات والأبحاث لا يخرج عن مضمون وإطار ما ورد في الكتاب المشار إليه ـ الذي نشرت معظم فصوله في كتاب صدر له أخيراً بالفرنسية بعنوان ـ أزمة المثقفين العرب ـ (باريس ـ ماسبيرو 1974) ـ فإننا سنقتصر هنا على الإحالة إلى هذا الكتاب نفسه: كتاب العرب والفكر التاريخي.
النهاية التي تشرح البداية:
كتابة الأستاذ العروي من الكتابات المكثفة، الملغومة، التي تستلزم من القارئ العادي، قراءتين على الأقل: قراءة فهم واستيعاب، وقراءة تفكير وتأمل. ومن أجل أن يتمكن الذين لم يقرأوا العروي بالمرة، أو قرأوه قراءة سريعة، من تتبع هذه المناقشة، رأينا من المفيد أن نعرض للمشروع الأيديولوجي الذي يقترحه الأستاذ العروي، على مرحلتين: نقتصر في المرحلة الأولى على عرض أفكاره عرضاً مصحوباً ببعض الملاحظات والتعليقات، لنعود بعد ذلك، في المرحلة الثانية، إلى إبداء رأينا، بكيفية مركزة، في هذا المشروع ككل.لقد دعا الأستاذ العروي بحرارة، إلى ضرورة النقد الأيديولوجي، فهو يؤكد أن «الواجب على مثقفي الدول المتخلفة تعميم النقد الأيديولوجي، كي لا ينحدروا إلى أسفل درجات الخلط» (ص 122 تعليق)… دعوة نصفق لها، ونلبيها… ولكن هل تمكّن الأخ العروي نفسه، في محاولاته النقدية، من نوع تجنب هذا الخلط؟ لنترك الجواب عن هذا السؤال الآن، ولندخل تواً في الموضوع، ولنبدأ مع كتاب العروي العرب والفكر التاريخي من نهايته، فالنهاية في كتابات العروي هي التي تفسر المقدمات وتحدد طريقة الاستدلال… وآخر ما كتبه العروي في مؤلفه المشار إليه هو المقدمة والخاتمة معاً.. أما الباقي فمقالات متفرقة، ترتبط، كثيراً أو قليلاً، بـ «التمهيد» و «الخلاصة».
إشكاليات العروي: ملاحظة أولية:
يطرح الأستاذ العروي، في السطور الأولى من كتابه (ص 7)، إشكاليته الفكرية بوضوح تام. يقول: «… بدأت أحس أن المشكل الأساسي الذي أحوم حوله منذ سنين هو الآتي: كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل (وبدون) أن يعيش مرحلة ليبرالية».لنلاحظ أولاً استعمال كملة «قبل» (والتشديد من عندنا) مطلقة، وتقييد كلمة (بدون) بقوسين. فهل معنى هذا أن الأخ العروي يشك في إمكانية انتقال الوطن العربي من وضعه الراهن (وضع غير رأسمالي، غير ليبرالي)، إلى وضع اشتراكي، دون المرور بالمرحلة الرأسمالية، الليبرالية؟ الواقع أن الأخ العروي لا يطرح المسألة طرحاً قاعدياً، أي على مستوى قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، بل يطرحها فوقياً فقط، أي على مستوى الفكر وحده، مستوى «المكتسبات» الفكرية الليبرالية. وتلك مسألة سنعود إليها في ما بعد.
عنصر أساسي يهمل إهمالاً:
ولنلاحظ ثانياً أن الأخ العروي ينسى ـ عندما يؤكد أن هذه المشكلة «معروفة في التأليف التاريخي الماركسي، رافقت هذا التأليف منذ بدايته» «التجربة الألمانية ـ لوكاتش التجربة الروسية ـ تروتسكي… إن طبيعة هذه الإشكالية، إطارها، عناصرها، محدداتها، المعطيات الموضوعية التي انبثقت منها;… ينسى أن ذلك كله يختلف من تجربة لأخرى، وأن هذا الاختلاف يتعمق ويتسع، عندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين التجربة الألمانية والروسية من جهة، والتجربة العربية من جهة أخرى.
إن الأخ العروي، عندما يربط إشكالية مثقف العالم الثالث ووعيه بالتأخر، بإشكالية المثقف الألماني ووعيه بالتأخر ـ زمن ماركس وقبله ـ ينسى كلياً الفرق بين الوضعيتين: وضعية ألمانياً آنذاك، التي لم تتعرض للاستغلال الاستعماري، ووضعية العالم الثالث الذي عانى ويعاني من الاستعمار والامبريالية. إن عامل الاستعمار غير حاضر تماماً في فكر العروي، على الرغم من كونه عنصراً أساسياً من عناصر إشكالية مثقف العالم الثالث، والمثقف العربي بالذات.إن العروي، في تحليله للفكر العربي والتجربة العربية، يغفل بكل إصرار هذا العنصر، وبالتالي يتجاهل تماماً المسائل المرتبطة به المتفرغة عنه (مشكلة الوحدة والتجزئة مثلاً، الفكر السلفي نفسه… مشكلة فلسطين.. إلخ)، الشيء الذي انعكس بقوة على آرائه ونتائج تحليلاته، وبالتالي جعل تفكيره مهزوزاً، مقطوع الصلة ـ أو يكاد ـ بالواقع العربي الراهن… إنها أيضاً مسألة أخرى مهمة سنعود إليها في ما بعد.
مقارنة غير مشروعة ومنطق خاطئ:
ولنلاحظ ثالثاً ـ وفي الإطار نفسه ـ أن الأستاذ العروي عندما يؤكد «أن المحيط الثقافي والاجتماعي والسياسي يلون ماركسية العرب.. بصبغة العداء لكل اتجاه ليبرالي: ضد الرأسمالية في الاقتصاد، ضد الديموقراطية التمثيلية في السياسة، ضد النفعية في الفلسفة، ضد المادية في العلاقات اليومية، ضد (النثر) في التعبير» (ص 8)، إن الأستاذ العروي عندما يؤكد ذلك، يقفز نفس القفزة السابقة إلى الغرب: فيلاحظ أن هذا الاتجاه «ليس بفريد، بل عادي لدى مؤرخي التطور الفكري» ـ الغربي طبعاً ـ ثم يستشهد بردود الفعل التي حدثت في روسيا وإسبانيا وإيطاليا والبلقان عند بداية انتشار الماركسية فيها. والمقارنة هنا أيضاً تستند إلى عموميات.. مجرد عموميات، يقول: «القاسم المشترك بين المجتمعات المذكورة هو تأخر اقتصادي واجتماعي وفكري» (ص 9). أما خصوصية هذا «التأخر» أما أسبابه وعوامله هنا وهناك.. فهذا ما يسكت عنه تماماً.
وأكثر من ذلك يؤكد العروي أن قياس «حالة عرب اليوم على حالة شعوب أخرى في بداية عهدها بالإصلاح والتطور» عمل مشروع، بل ضروري. لماذا؟ فقط لأن رفض هذه المقايسة لا يستند ـ حسب رأيه ـ إلى «أدنى برهان عقلي».وما دام الأستاذ العروي يطرح المسألة على مستوى «البرهان العقلي» فليسمح لنا بهذا السؤال: هل يكفي لإثبات قضية ما، «العجز» عن البرهنة على عسكها؟ لنترك الجواب للمناطقة، المناطقة الوضعيين ـ الليبراليين أنفسهم! ولنكتفِ بهذا المثال الذي نستوحيه من أمثلتهم المبسطة: إن من يرى ذلك، هو تماماً، كمن يقول: بما أنك تشبه فلاناً، وبما أن فلاناً هذا قد مات في حادثة سيارة، وبما أني عاجز عن البرهنة على وجود اختلاف بينك وبينه، فإني أستنتج بـ «الضرورة» أنك ستموت أيضاً في حادثة سيارة.على أن المسألة هنا، ليست مسألة برهان «عقلي» صرف، بل إنها مسألة واقع مشخص، حي.. مسألة صراع.. لا بدّ من الربط بين الفكر والواقع إذا أردنا أن يكون تفكيرنا صحيحاً.. إذا أردنا أن نستقطب حول مشروعنا الأشياع والأتباع.
يقول غرامشي، المفكر الماركسي المعروف.. ومؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي.. (ويصرح العروي بأنه يستوحي غرامشي في جل آرائه.. وسيتبين لنا في ما بعد طبيعة هذا الاستيحاء ومداه)، يقول غرامشي، بصدد المقارنة بين الفكر الألماني الكلاسيكي والفكر السياسي الثوري الفرنسي: «إذا تشابهت بنيتان في الأساس (أي في الأساس المادي الاقتصادي) نجم عنهما بنيتان فوقيتان «متعادلتان» بحيث يمكن أن تترجم كل منهما إلى الأخرى أياً كانت اللغة القومية الخاصة».. وعندما يلاحظ العروي بعض التشابه (تشابه مظهري فقط، سطحي فقط، بين البنية الفوقية الألمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبين البنية الفوقية السائدة الآن في العالم العربي، يسارع إلى ترجمة هذه إلى تلك، ناسياً الاختلاف الكبير بين الأسس التي تقوم عليها كلا البنيتين.وبتعبير غرامشي نفسه، فإن ما يفعله العروي هنا، هو مقارنة ومقابلة كيفية معينة، بكيفية معينة أخرى، أي فكر بفكر.. مع إغفال أن للكيفية الأولى كماً خاصاً (اقتصاد خاص)، وأن للكيفية الثانية كماً خاصاً أيضاً (اقتصاد ومعطيات اجتماعية خاصة). هنا يكمن، في نظرنا، خطأ العروي.. خطأه الكبير!
دعوى صيحة مظهرياً… باطلة جوهرياً:
نعم إن الأستاذ العروي يدخل في فقرة لاحقة، الاستعمار في حسابه، ولكن بشكل جزئي هامشي يقول: «إن نقد التراث الليبرالي باعتباره مواكباً وحليفاً ومبرراً للاستعمار يقوي جانب التقليد، أي كل ما هو عتيق ميت ومميت في ذهننا وسلوكنا ومجتمعنا» (ص 10).دعوى صحيحة.. ولكن مظهرياً فقط.. جزئياً فقط.. إنها دعوى باطلة زائفة إن انتبهنا إلى مضمونها، إلى الإشكال المزيف الذي تطرحه.
وهنا لا بد من شيء من التفصيل:
1 ـ إن طرح الأستاذ العروي للمشكل هنا، طرح خاطئ، فالمسألة عنده تتلخص في ما يلي: إما أن نقبل التراث الليبرالي ونستوعبه، وسيكون ذلك طريقنا إلى التقدم، وإما أن ننقده (بمعنى نرفضه) وسيكون ذلك تقوية «لكل ما هو عتيق ميت ومميت في ذهننا وسلوكنا ومجتمعنا»… إن طرح المسألة بهذا الشكل طرح غير منهجي، غير علمي، غير ماركسي. نقد التراث الليبرالي لا يعني رفضه كله (حتى زعماء السلفية عندنا لم يرفضوه كله).. إن في كل تراث، قديم أو حديث، جانباً إنسانياً، تقدمياً.. وتراثنا نفسه ليس سلبياً كله. وإذا كان هناك فعلاً في أذهاننا وسلوكنا ومجتمعنا ما هو «عتيق وميت ومميت» فذلك، ليس بسبب نقدنا للتراث الليبرالي، فلقد كان موجوداً بشكل أقوى وأعمق تأثيراً قبل «نقدنا» للتراث الليبرالي نفسه. إن هناك معطيات موضوعية، هناك «واقع قديم» ما زال قائماً.. هو مصدر هذا «العتيق الميت المميت»، هو حامله والمحافظ عليهالمسألة الأساسية، إذن، هي كيف نغير هذا الواقع.. لا أن نسكت عنه، مكتفين بمحاربة «انعكاسه الأيديولوجي»، لا أن نستنجد بالفكر الليبرالي وحده، لكونه هو الفكر الذي صارع، في أوروبا، الفكر السابق له، الفكر الإقطاعي. إن ما صلح هناك لا يصلح هنا.. وإلا كان صحيحاً أنه «لا يصلح أمر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها». كلا هناك في الحالتين معاً، معطيات موضوعية حسية مختلفة جداً.
التبعية الثقافية طريق الخلاص:
2 ـ عندما يُطالب الأستاذ العروي بـ «اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا» يقبل بحرارة مماثلة، أن تكون «ثقافتنا المعاصرة تابعة لثقافة الغير» لأن في ذلك هو «طريق الخلاص». (ص 205).هل يقبل الأخ العروي، بوعي، «التبعية الثقافية»؟ أليس وعيه هنا وعياً مسلوباً..؟ هل يعتقد أن التبعية الثقافية للغرب الاستعماري الإمبريالي الليبرالي، تبعية مستقلة، معزولة، نزيهة؟ هل يخفى عليه أن التبعية الثقافية للغرب.. والقائمة الآن في المغرب، وفي كثير من بلدان العالم الثالث، ما هي إلاّ انعكاس وتكريس للتبعية الاقتصادية السياسية؟ هل يخفى عليه أن التبعية الثقافية، هي اليوم، منفذ من منافذ التبعية الاقتصادية، السياسية؟ ثم هل يعتقد أن بالإمكان «اجتثاث الفكر السلفي من مجتمعنا» بمجرد الهجوم عليه بسلاح الفكر الليبرالي؟ ألا يعمل هذا السلاح نفسه على إيقاظ النائمين الذين لم يستسلموا للنوم بعد..! ثم قبل ذلك، وبعده، ألا يتطلب هذا «الاجتثاث» تغيير «المحيط» نفسه..؟نعم، نحن لا نقول بضرورة أسبقية الثورة الاجتماعية الاقتصادية السياسية، على الثورة الثقافية.. ولكن هل يمكن القيام بثورة ثقافية بواسطة «التبعية الثقافية للغير»؟
الليبرالية… والاستعمار:
3 ـ وفي الإطار نفسه كذلك يؤكد العروي (ص 11 وما بعدها) أن المثقف العربي كما يرفض الليبرالية بدافع العداء للاستعمار، يرفضها أيضاً بتأثير الوضع الثقافي الغربي، دون أن ينتبه إلى الفرق بين وضعه ووضع المثقف الغربيوهذا صحيح أيضاً.. ولكن جزئياً فقط.. مظهرياً فقط!ذلك، لأن المثقف العربي لا يرفض الليبرالية، فقط بدافع العداء للاستعمار، بل لأنها مرتبطة حالياً بالاستعمار والإمبريالية ارتباطاً عضوياً. الفكر الليبرالي الغربي حالياً، لا ينفصل عن الإمبريالية تلك.. هذه حقيقة يعرفها الأستاذ العروي. نعم إن الأخ العروي لا يطالب بتبني الفكر الليبرالي الحالي، بل يقصد: «النظام الفكري المتكامل الذي تكوَّن في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والذي حاربت به الطبقة البورجوازية الأوروبية الفتية الأفكار والأنظمة الإقطاعية» (ص 11) هذا المذهب الذي «تنكرت» له أوروبا حيث «اتخذت… منذ أواسط القرن التاسع عشر إتجاهاً معاكساً لروح المذهب الليبرالي بكيفية، إما سافرة، وإما مقنعة»، و «لكن هذا لا يعني أن أوروبا نبذت نهائياً الليبرالية، بل طبقتها، وفي التطبيق ضيقت من أفقها وأفقدتها الطابع النقدي التعميمي».لماذا؟لماذا لم تستطع الأيديولوجيا البورجوازية تحقيق ما رسمته لنفسها من مثل وأفكار، إنسانية، تقدمية، تحررية..؟ هل فقط «لأن التوسع الاستعماري كان له دور مهم في القضاء على القيم التحررية»، كما يقول الأستاذ العروي؟ (ص 11). ولماذا هذا التوسع الاستعماري نفسه؟ أليس خارجاً من صلب وطبيعة النظام الرأسمالي، وبالتالي، أليس هو أحد نتائج الأيديولوجيا البورجوازية نفسها؟ وأيضاً، هذه القيم التحررية في الأيديولوجيا البورجوازية، ألم تتطور.. ألم تشكل النقيض لهذه الأيديولوجيا نفسها؟ أليست الماركسية، امتداداً وتجاوزاً ديالكتيكياً، للعناصر التقدمية والثورية في التراث الليبرالي، أليست هي ورشه الحقيقية؟
الليبرالية لم تنحرف… بل إنساقت مع تطورها الذاتي الداخلي:
4 ـ إن التمييز بين ليبرالية القرنين السابع عشر والثامن عشر، وليبرالية القرنين التاسع عشر والعشرين، تمييز مشروع تماماً.. ولكن الذي لا نوافق عليه الأستاذ العروي هو تقديم الثانية، وكأنها انحراف عن الأولى أو ابتعاد عنها.. إن المسألة لا تتلخص كما يقول الأستاذ العروي (ص 11) «في ابتعاد أوروبا تنظيمياً عن لب المذهب الليبرالي الأصلي، وفكرياً في ثورة ضد أصول المذهب ذاته»! إن أوروبا لم تبتعد تنظيمياً وفكرياً عن «لب المذهب الليبرالي وأصوله»، وإنما سارت وانقادت مع تطور هذا «اللب الأصلي» نفسه.
وبعبارة أوضح، ولكي نخرج من المجردات التي يحرص العروي على التحرك في إطارها، نقول إن المسألة هي، كما طرحها لينين بوضوح، مسألة تطور الرأسمالية إلى الاستعمار. يقول لينين: «لقد نشأ الاستعمار باعتباره تطوراً واستمراراً مباشراً لما فطرت عليه الرأسمالية، بوجه عام من خصائص أساسية. ولكن الرأسمالية (أي ما يسميه العروي بالليبرالية الأصلية) لم تصبح استعماراً رأسمالياً (أي ما يسميه العروي ليبرالية القرن التاسع عشر) إلا عندما بلغت في تطورها درجة معينة، عالية جداً، عندما أخذ يتحول إلى نقيضه بعض من أخص خصائص الرأسمالية، عندما تكونت وظهرت في جميع الاتجاهات، سمات مرحلة انتقالية، من الرأسمالية إلى نظام اقتصادي اجتماعي أعلى» (لينين، الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية. ص 118 موسكو، دار الطبع والنشر باللغات الأجنبية، الطبعة العربية).
وإذن، فإن تبرئة الليبرالية «الأصلية»، وتنزيهها عن نتائج تطورها الذاتي الداخلي، عمل لامشروع، غير ديالكتيكي.. هو قطع تعسفي لسلسلة التطور، لا يبرره المنطق ولا الواقع التاريخي. ومن ثمة فلا مجال للقول: «إن الاتجاهات المعادية للتراث الليبرالي (ويقصد العروي هنا الاتجاهات الفكرية التي ظهرت في الغرب، والتي كونت «ليبرالية القرن التاسع عشر») تنتقد الماركسية أو تتجاهلها أو تدعي تجاوزها» (ص 13)، لأن هذه الاتجاهات ليست معادية لليبرالية، بل هي شكل جديد من أشكالها، ونتاج لتطورها، ليس هناك جزء من الليبرالية يقبل الماركسية وجزء آخر يرفضها، بل إن الماركسية هي تجاوز (جدلي) للفكر الليبرالي بمختلف أشكاله، بمختلف مراحل تطوره.هذا هو الوضع الصحيح للمسألة. جعل التاريخ بين قوسين… ولوج المستقبل بالرجوع إلى «الماضي»:صحيح أن الاتجاهات الليبرالية الحديثة هذه، وكما يقول العروي: «تجعل التاريخ والتطور التاريخي بين قوسين، وتهدف إلى ولوج باب المستقبل بالرجوع إلى الماضي» (ص 13). ولكن صحيح أيضاً، أن هذا يصدق على الأخ العروي نفسه: هو يضع هذه الاتجاهات ـ الليبرالية الحديثة ـ بين قوسين، متغافلاً عن كونها جزءاً من التاريخ والتطور التاريخي في أوروبا. لماذا؟ ليتسنى له «ولوج باب المستقبل» العربي بـ «الرجوع إلى الماضي»، ماضي الغرب وبالذات إلى ليبرالية القرن 17 والقرن 18وهكذا يرى «بسهولة أسباب ضعف المثقف الماركسي العربي» فهو يستهزئ بالتراث الليبرالي.. في حين أنه لم يستوعبه بعد.. (ص 14)، والحال: «أن الماركسية بنيت على نقد الليبرالية باعتبارها تامّة ومتغلبة في الأفكار والأنظمة» (ص 15).
ومعنى ذلك أنه على المثقف العربي، لكي يصير «ماركسياً حقيقياً»، (في ما بعد)، أن لا ينقد التراث الليبرالي، بل عليه أن يستوعبه أولاً، ثم بعد أن يستوعبه يمكن أن يغدو «ماركسياً حقيقياً» فيصبح في إمكانه، ومن حقه، حينئذ فقط، انتقاد الليبرالية. هذا، والغريب في الأمر، أن الأستاذ العروي يورد في تعليق له، في إطار هذا الموضوع بالذات، فكرة ماركس المعروفة، وهي حجة عليه، لا له.. يقول العروي على لسان ماركس: «عندما تفتقد البورجوازية العصرية في مجتمع ما، أو تحجم عن القيام بالعمل المنتظر منها، يصبح العمل من مسؤولية الطبقة التي ستحل محل البورجوازية». هذا صحيح.. ولكن الأخ العروي يريد أن يستنتج من ذلك أن قيام الطبقة العاملة بما لم تقم به البورجوازية، إما لضعفها أو لغيابها، يستلزم أن تتبنى هذه الطبقة (الطبقة العاملة) الفكر البورجوازي حتى تتمكن من ذلك.. وهذا خطأ كل الخطأ. فالطبقة العاملة ـ في نظر ماركس ـ يجب أن تقوم بما لم تقم به البورجوازية انطلاقاً من منظورها الخاص، من أيديولوجيتها الخاصة، لا انطلاقاً من المنظور البورجوازي والأيديولوجيا الليبرالية.
* * *
وهكذا، فالنتيجة التي ينتهي إليها العروي، هي نفس المقدمة التي انطلق منها، وتلك لعبة يبني عليها العروي كتاباته، وسنحلل هذه اللعبة المنهجية في ما بعد. المهم بالنسبة إلينا الآن هو تسجيل أن الأستاذ العروي يطرح المسألة التي نحن بصددها على الشكل التالي:
ـ المثقف الغربي عندما يرفض الفكر الليبرالي يكون رفضه تجاوزاً لهذا الفكر لأنه عاشه ويعيشه، ومن ثمة يتجه رفضه إلى الأمام، لأن الفكر التقليدي ـ في أوروبا ـ قضى عليه، وقعت تصفيته من طرف الفكر الليبرالي نفسه.
ـ وأما في الوطن العربي حيث يعيش الفكر التقليدي قوياً متحدياً، وحيث لم تقم الليبرالية بمهمة القضاء عليه، فإن رفض المثقف العربي للفكر الليبرالي يؤدي (حتماً) إلى تقوية الفكر التقليدي.. ومن ثمة يتجه رفضه إلى الوراء. ا






















